محمد حسين علي الصغير
66
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
اللغوية حتى وإن أريد بها معناها الأصلي ، لأن ذلك مما يشوه حقيقة البيان ، ودلالاته البلاغية ، ومما يحمل الكلام أكثر من طاقته التي تنهض به إلى مستوى التعبير الأدبي ، فيعود ذلك تكلّفا مقيتا ، وتمحلا مذموما ترفضهما طبيعة النصوص الأدبية الراقية . لقد لاحظ الدكتور أحمد بدوي : أن كثيرا ممن تعرضوا لدراسة القرآن الكريم ، قد تكلفوا كثيرا في التماس أمثلة المجاز المرسل من القرآن ، حتى بلغوا من ذلك حد التفاهة ، ومخالفة الذوق اللغوي ، ولو أننا سرنا على منهجهم لوجدنا في كل ما ننطق به مجازا ، وليس في ذلك كبير نفع ، ما دامت الكلمة لا تسترعي انتباه القارئ ، ولا تستوقفه لتبين السر في استخدامها . يقول الدكتور أحمد بدوي : « لا أريد أن أمضي في بيان ما تكلفوه ، وجروا وراءه من تلمس الأسباب لعد الآيات من باب المجاز اللغوي [ يريد بذلك المجاز المرسل دون الاستعارة ] ، وكل ما أريد قوله هنا هو أن أكثر هذه الكلمات أصبحت توحي بالفكرة من غير أن يثار في النفس المعنى المجازي . خذ مثلا قوله تعالى : وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ ( 4 ) « 1 » فإنهم قالوا : إن فيه إطلاق الكل على البعض ، والمراد تعجبك وجوههم ، لأن الأجسام لا ترى كلها ، وإنما يرى الوجه فحسب ، ولا أرى تأويلا أبعد من هذا التأويل عن روح الآية ، فالجسم وإن كان لا يرى كله ، من المستطاع أن يدرك الإنسان بنظره ما عليه الجسم من جمال يبعث على الإعجاب ، ولا تريد الآية : تعجبك وجوههم ، ولكنها تريد يعجبك ما عليه أجسامهم من ضخامة ، وما يبدو فيها من مظاهر النماء والقوة ، وما عليه وجوههم من جمال ونضرة » « 2 » . هذه الملحوظة وما قاربها لا تخلو فيما يبدو من وجه سديد ، إذ لا معنى للتكلف المفرط الذي يخرج النص عن ذائقته الأدبية ودائرته الفنية
--> ( 1 ) المنافقون : 4 . ( 2 ) أحمد أحمد بدوي ، من بلاغة القرآن : 224 وما بعدها .